البغوي
47
شرح السنة
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ ، وَأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةً ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ، رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَرُؤِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُحْرِمًا وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الرُّبِ مِنَ الْغَالِيَةِ ، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَحُ طِيبًا ، فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ وَرَوَتِ الْحَدِيثَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ ، عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، كَمَا لَوِ اسْتَدَامَ وَلَبِسَ الْمَخِيطَ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ كَاللِّبْسِ ؛ لأَنَّ لاسْتِدَامَتِهِ حُكْمَ الابْتِدَاءِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ ، فَاسْتَدَامَ لِبْسَهُ وَلَمْ يَنْزَعْهُ حَنِثَ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَطَيَّبُ ، وَعَلَيْهِ طِيبٌ فَاسْتَدَامَهُ لَمْ يَحْنَثْ .